ابن فضلان
76
رحلة ابن فضلان
والكتاب يقرأ . فقام على قدميه هو ومن حضر من وجوه أهل مملكته ، وهو رجل بدين بطين « 233 » جدا . وبدأت فقرأت صدر الكتاب فلمّا بلغت منه « سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو » ، قلت : ردّ على أمير المؤمنين السّلام ، فردّ وردّوا جميعا بأسرهم ، ولم يزل التّرجمان يترجم لنا حرفا حرفا ، فلمّا استتممنا قراءته كبّروا تكبيرة ارتجّت لها الأرض . ثم قرأت كتاب الوزير حامد بن العبّاس « 234 » وهو قائم ، ثم أمرته بالجلوس ، فجلس عند قراءة كتاب نذير الحرمي ، فلمّا استتممته نثر أصحابه عليه الدّراهم الكثيرة ، ثم أخرجت الهدايا من الطّيب والثّياب واللؤلؤ له ولامرأته فلم أزل أعرض عليه وعليها شيئا شيئا حتّى فرغنا من ذلك ثمّ خلعت « 235 » على امرأته بحضرة النّاس وكانت جالسة إلى جنبه ، وهذه سنّتهم وزيّهم ، فلمّا خلعت عليها نثر النّساء عليها الدّراهم وانصرفنا . فلمّا كان بعد ساعة وجّه إلينا فدخلنا إليه وهو في قبّته ، والملوك عن يمينه . وأمرنا أن نجلس عن يساره ، وإذا أولاده جلوس بين يديه ، وهو وحده على سرير مغشى بالدّيباج الرومي « 236 » فدعا بالمائدة فقدّمت وعليها اللّحم المشويّ وحده فابتدأ هو فأخذ سكّينا وقطع لقمة وأكلها وثانية وثالثة ثم احتزّ قطعة دفعها إلى « سوسن » الرّسول ، فلمّا تناولها جاءته مائدة صغيرة فجعلت بين يديه ، وكذلك الرسم « 237 » لا يمدّ أحد
--> ( 233 ) بطين : كبير البطن . ( 234 ) حامد بن العباس : كان يتولّى أعمال السّواد ، ثم وزّر للمقتدر . كان كريما مفضّلا ، متجمّلا ، سريع الطّيش . اشتغل بالتجارة ثمّ عظم شأنه ، ولمّا ولّي الوزارة كان في الثمانين من عمره ، ولم يكن نصيبه من الوزارة إلا اللقب والخلعة وكان المدير للأمور علي بن عيسى الذي كان وزيرا من قبل . ( 235 ) الكلام هنا بصيغة المتكلم على لسان ابن فضلان ، وهو فيما ينقله ياقوت بصيغة الجمع كما سنرى بعد قليل في أحد الهوامش . ( 236 ) الديباج الرومي : الحرير الرومي ، وكان مشهورا بجودته في القرن الرابع ، وكان يجلب إلى بلاد المسلمين من فرنسا غالبا . ( 237 ) الرسم : العادة .